2009-04-02 المراجعة التاريخية لأية أحداث أو مواقف مما أنتقل إلينا من صفحات التاريخ الحديث يفترض بالضرورة أن تلتزم بدرجة عالية من الموضوعية والتحليل الشمولي حتى لا يختلط الرأي أو الرؤية بالرغبات الشخصية التي غالبا ما تكون منحازة أو متحيزة . ولذلك تلجأ الدول التي تفتح صفحات تاريخها ووثائقها أمام الباحثين بمبدأ انقضاء ثلاثين عاما على الحدث أو الموقف .. وفي كثير من الأحيان تمدد هذه الفترة الفاصلة لتصل إلى خمسين عاما خشية الوقوع في مطبات حساسيات الموضوع .
لهذا السبب تعمدت الانتظار .. بعد أن انتهى محمد حسنين هيكل من أحاديثه التي وصفها بأنها مراجعة للمواقف العربية والأردنية عام 1967 قبل أن أقرر ما إذا كان تناول الحقبة التي أشار إليها من المنظور التاريخي يتسم بالدقة والموضوعية أولا وبالنجاح في توضيح ما ظل خافيا من أحداث وتطورات أدت فيما أدت إليه من نتائج إلى حالة إحباط تاريخي نعيش آثارها وذيولها حتى هذه الأيام ثانيا.
وحيث أنني حظيت بموافقة المغفور له بأذن الله الملك الحسين بأن أتناول تاريخ وأحداث تلك الأيام الأليمة من منظور مختلف عما تعوده المؤرخون بأن أطرح رؤيتي في كتاب يتناول حرب عام 1967 من منظور المهزوم عكس ما يتم عادة بأن يكتب التاريخ من منظور المنتصر كما فعل عشرات الكتاب والمؤرخون ممن نشروا دراساتهم في موضوع الحرب، توخيا للموضوعية والدقة، فأني لأرجو أن يكون ذلك هو حافزي الرئيس في هذه المراجعة التاريخية .
وحين أطلعت الحسين على مقترحي ، نظر إلى رحمه الله بعينية الحانيتين قبل أن يجيب، وقد كنت أتوقع أن يكون جوابه برفض الفكرة ، كان العكس تماما ما حدث حيث أنطلق صوته الجهوري الأثير قائلا : حسنا .. وما هو المطلوب مني؟ لن استرسل في شرح تفاصيل ذلك اللقاء لأعود إليه ذات يوم في مستقبل الأيام. وعليه سارعت بإلقاء إجابة كنت أعددتها في ذهني مسبقا: أولا : إذا سمح لي جلالة سيدنا أريد جميع الوثائق المتوفرة في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية ذات العلاقة بتلك الحرب .. وما قبلها وما بعدها .. بما في ذلك سجل العمليات الحربية أو أل ( LOG - BOOK) .
ثانيا : جميع وثائق الديوان الملكي الهاشمي ذات الصلة بما فيها الرسائل المتبادلة بين جلالة الملك ورؤساء الدول أو الحكومات التي كان لها دور مارسته في صنع أحداث تلك الفترة سواء كان سلبا أم إيجابا .
ثالثا: وثائق رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية.. فقاطعني رحمه الله قائلا .. أنتقل إلى رابعا ، وكأنه يقول لن تحتاج إليها بعد ثانيا فقلت : رابعا: أن يسمح لي بإجراء مقابلات مع جميع الضباط الذين شاركوا في الحرب من رتبة رائد إلى رتبة فريق.
خامسا : بعد أن تنتهي أبحاثي في كافة المصادر التي تتوفر لديها المعلومات وتصبح الصورة كاملة أمامي ، أتمنى أن تسمحوا لي يا صاحب الجلالة بإجراء ما أحتاجه من اللقاءات معكم ، لتضيئوا على كافة النقاط التي توثقها وتؤكدها الأحداث والتحليلات والاستنتاجات ألتي أتوصل إليها .. وحين توقفت لحظة لالتقاط الأنفاس ورصد ردّ الفعل ، عاجلني الحسين بالسؤال : هل هناك سادسا ؟ فأجبته: الحديث معك يا سيدي قد يستمر أشهرا لو أطلقت لنفسي العنان.. فما كان منه ألا أن رد قائلا، فليكن.. أنت شاب أردني مخلص وتحمل في ذهنك مبادرة تستحق فرصة الاكتمال .. ثم إنك في محاولتك التاريخية هذه يجب أن تسمع ? ومني ? قصة الأردن الذي أردناه وطنا نفاخر به الدنيا منذ اللحظة ألتي أعادتنا فيها الأقدار إلى مسؤولية قيادته .
شكرت جلالة المغفور له وقلت أرجو أن نفعل ذلك على الرغم من كل النكسات والعثرات .. وكنت هنا أقصد كلمة النكسة ألتي أخترعها الأستاذ هيكل كبديل لوصف هزيمة عام 1967 . كان هذا اللقاء بالحسين عام 1979 حين أصدرت من لندن المجلدات الثلاثة التي ضمنتها خطب الحسين منذ تولى العرش وحتى عام اليوبيل الفضي ، وقدمت له منها مجموعة أعدت خصيصا لجلالته . لكن أريد أن أسارع فأضيف أن أهم من كل ما سبق كانت السنوات الخمس التي عملت فيها بمعية الحسين في الديوان الملكي الهاشمي أطلعت خلالها على عشرات الوثائق والمعلومات ألتي أصبحت جزءا من نقطة رابعا السابقة والتي استأذنت الحسين الاحتفاظ بها فيما لو تصديت مستقبلا لكتاب تاريخ هذه الحقبة .. وهي على أية حال وثائق حصل عليها مؤرخون آخرون منهم بألاضافة إلى آفي شلايم الكاتب نايجل آشتون الذي أصدر مؤخرا كتابه الملك الحسين .. تاريخ سياسي ( 2008 ) والجنرال المتقاعد جيمس لانت الذي ألف كتابه بعنوان الحسين ملك الأردن عام 1988 . إن هذه المقدمة ليست من باب النوستالجيا في الحديث عن الحسين رحمه الله ، أو ألتباهي بحصولي على تسجيلات بصوته الأثير مدتها سبع ساعات كاملة تضمنت روايته الكاملة والصريحة لكل ما مرّ بهذا الوطن عالي الهمة في عهده حتى سنة التسجيلات ( 1984 ) والتي أعتز بامتلاكها كجزء من مكتبتي الوثائقية حتى اليوم .
لقد رويت ما رويته لأن ذلك كان بداية جهد أستمر لسنوات وسنوات بحثا عن التوثيق الضروري والمطلوب والذي أوصلني في نهاية المطاف إلى مكتبة من الوثائق تتجاوز صفحاتها المائة ألف صفحة ، وأعترف هنا بأن الأستاذ هيكل كان نموذجا ومحفزا لأهمية وضرورة التوثيق منذ التقيت به أول مرة في عام 1976 ، وكنت حينذاك في مرحلة وضع كتاب عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ساعدني هو فيه بالتحدث إليّ عدة مرات في لندن والقاهرة وقدمني لعدد من شخصيات الثورة المصرية التاريخيين وفي مقدمتهم المرحوم عبد اللطيف البغدادي نائب رئيس الجمهورية في فترة من الفترات ، ومن سوء الحظ أنه تعثر نشر ذلك الكتاب في حينه بسبب موضوعه ، وسأعود للحديث عنه في مستقبل الأيام .
وأزعم بعد ذلك أن معظم مصادر التوثيق التي قصدها الأستاذ هيكل قصدتها أيضا مثل مركز الوثائق البريطاني ( Public records office) في لندن، ومكتبة الكونغرس في واشنطن، ومؤسسة كارنيجي للسلام في نيويورك، ومركز كارتر للدراسات في ألاباما، فضلا عن أهم مراكز الدراسات والمعلومات في واشنطن أو أل Think Tanksمن بين تلك التي تتابع وتهتم بموضوع الصراع العربي الإسرائيلي .. إضافة إلى مثيلاتها في إسرائيل .
وحيث أنه لم يكن باستطاعتي في تلك الحقبة الذهاب إلى إسرائيل شخصيا فقد اتفقت مع الصحفي البريطاني الشاب إيان بيكتون لكي يذهب إلى إسرائيل ويسعى للحصول على ما يستطيع من الوثائق مما له علاقة بحرب 1967 مقابل مبلغ من المال لنفقاته وكمكافأة له مقابل جهده حين كان المال متيسرا لي في ذلك الوقت، ومقابل التوسط له للعمل في إدارة الأخبار في تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية في لندن وكان لي ببعض عمالقة إدارتها علاقة عمل وثيقة وقديمة منذ الستينات . لقد ذهب بيكتون ألذي ساعدته الصحافة المالية للانتقال فيما بعد إلى عالم المال والاعمال إلى إسرائيل مدعيا أنه هو الذي سيكتب قصة حرب 1967 لتكون جزءا من فيلم وثائقي ، وقد نجح وعاد إليّ بثروة من الوثائق كوّنت جزءا مهما من مجموعتي الوثائقية. وما لم يستطع الحصول عليه حينذاك ، حصلت عليه بتبادل الوثائق التاريخية مع مؤلفين محترمين أمثال الدكتور آفي شلايم فيما بعد .
وبوسعي أن أزعم - أخيرا - أن وثائقي تتضمن ميزتين لم تتوافرا للأستاذ هيكل .. أولاهما وثائق القوات المسلحة الأردنية بما فيها برقيات التخاطب مع القيادة العامة المصرية التي تولت إدارة العمليات الحربية في كافة الجبهات بما فيها الجبهة الأردنية التي تولاها القائد المصري الراحل الفريق عبدا لمنعم رياض من المركز المتقدم في عمان. والميزة الثانية ألوثائق الهائلة التي توثق لكافة التطورات في كل حقل من حقول المعرفة والموجودة في مركز التوثيق التابع لهيئة الإذاعة البريطانية في لندن والمتوفرة لموظفي هذه المؤسسة العملاقة فقط وكنت واحدا منهم في فترة السبعينات ناهيك عن ملفات كاملة من مقتطفات الصحف العربية والعالمية والاسرائيلية التي تناولت تلك الأزمة عام 1966 والحرب التي أعقبت ذلك في حزيران 1967 بما في ذلك ما نشرته الأهرام وما كتبه ونشره الأستاذ هيكل نفسه .
أسوق هذه التفاصيل لأصل إلى نقطة الارتكاز في هذه الورقة وهي أن ما سأكتبه يستند إلى الوثائق والوقائع والشهادات ومن ضمنها شهادات شخصيات مصرية كان لها تأثيرها ودورها في تلك الحقبة أمثال المرحوم محمود رياض وزير الخارجية والفريق محمد فوزي رئيس هيئة الأركان للقوات المصرية وقيادة القوات العربية المشتركة خلال عمليات حرب 1967 .
ما أعنيه أني سأتحدث عن بعض تفاصيل أحداث الأيام العصيبة وبما يظهر أن الصواب جانب الأستاذ هيكل في أكثر من نقطة. كما جانبته دقة التوثيق التاريخي على الرغم من امتلاكه - حسب ما يقول - لأهم الوثائق المتبقية لديه من شهادات تلك الأيام. وسأزيد عليه ذلك بالعودة إلى وثائق الأربعينات التي تناولها الأستاذ هيكل ليسدد سهامه المسمومة والمغلوطة للراحل الملك المؤسس عبدا لله الأول بن الحسين الذي وضعتني الصدفة التاريخية في موقع بجانب إحدى بوابات المسجد الأقصى في القدس مكنني من مشاهدة عملية اغتياله ألاثمة من مسافة لا تزيد عن عشرين مترا ظهيرة ذلك اليوم الأغبر من تاريخ العرب الحديث عام 1951.
ولقد أطلعت الراحل الحسين لاحقا على بعض الوثائق التي عثرت عليها بموجب قانون كشف المعلومات بعد مرور ثلاثين عاما في مكتبة مركز الوثائق البريطاني جنوب لندن، مثلما أطلعت المرحومين الأستاذين الكبيرين سليمان الموسى وأحمد العناني أللذين صدف تواجدهما لأجراء أبحاث خاصة بهما في تلك الحقبة في لندن.
الهدف من هذه المقدمة الطويلة هو الحصول على ثقة القارئ الكريم بأن ما سأرويه موثق ومؤكد وبوسع أي مؤرخ لهذه المرحلة من تاريخنا الحديث الاطلاع عليها في أي وقت .
حصيلة هذه الجولة الموسعة في العناوين والتفاصيل بعد كل ذلك توصلني إلى استنتاج سأوثقه وأبرهن عليه بأن الأستاذ هيكل هو الذي وقع في مصيدة التاريخ وليس الحسين أو الملوك الهاشميين الذين وضعوا لبنات هذا البناء الراسخ الذي نعيش فيه آمنين . وفيما بين مصيدة التاريخ وصفة الأمان التي أشرت إليها في نهاية جملتي الأنفة أسوق حادثتين لما يمكن أن يكون المفتاح لهذه المصيدة وحقيقة الأمان التي يجب أن يشعر بها المؤرخ لكي تأتي أحكامه مبنية على الحقائق كما هي وليس على الرؤية المزاجية التي تدعي الموضوعية ثم تكيل التهم والصفات جزافا وتزعم أنها تفعل العكس . الجميع يعلم أنه حين بدأ الرئيس الراحل أنور السادات يضيق ذرعا بادعاءات الأستاذ هيكل وأحكامه التي أراد من خلالها أن يصور نفسه ك صانع الملوك - وفق التعبير الانجليزي ( The kings maker) في الحقبة الساداتية مثلما كان يصور دوره في الحقبة الناصرية ( مع الفارق طبعا ) .. قلت انه حين بدأ السادات يضيق ذرعا بهيكل زج به في السجن ، في حين أن الحسين - طيب الله ثراه - حين شكّل بعض الذين يكرهون النجاح وفدا طلب مقابلة الحسين ليثيروا الشكوك حول مقصدي مما كتبت وما لم يصب في روافد المديح المعروفة للحاكم ، وبالتالي طرحوا التساؤل حول صحة اختياري للعمل في ديوانه ألهاشمي، فكان جوابه رحمه الله يا أخوان .. الأخ سمير لم يكتب كلمة في كتابه لم يناقشني بها، وجهده واضح إنه يكتب للتاريخ وليس تمرين علاقات عامه ( PUBLIC RELATIONS EXERCISE) وفق ما أبلغني هذا القائد الفذ وأكده لي أحد الحضور ممن أضن باسمه ألان حتى اللحظة المناسبة.
في مثل هذه المواقف يكتشف المؤرخ ما إذا كان باستطاعته الاحتفاظ بموضوعيته واستقلاليته أم أنه سيقع أسير مصيدة التاريخ فيما يرويه ويبني عليه أحكاما لست راغبا في مناقشة أسبابها أو دوافعها وأترك ذلك للقارئ الحصيف وذكائه.
وبالفعل فأن أدق التفاصيل التي رويتها في كتابي الاردن في حرب 1967 ناقشتها مع الراحل العظيم ومتوفرة حتى ألان في الأشرطة التي احتفظ بها للذكرى الغالية على قلبي أولا ولتكون منطلقا لكتاب أروي فيه قصة الحسين مع الملك ... والسياسة... والحرب ... والسلام إذا كتب الله لي العمر والصحة حتى أنتهي من كتابي الذي أعمل عليه ألان. ولقد فاتني أن أضيف أني أعمل وحدي وبمجهودي الشخصي ودون أي مساعدة من أحد على الإطلاق ، في حين أن الأستاذ هيكل يدير مركزا متكاملا للمعلومات والدراسات يساعده فيه عشرات الباحثين وتتوفر له إمكانات تقدر بالملايين التي تأتيه من مصادر مختلفة .
عنصر الإطالة فيما قدمت حتى ألان - وأعترف أني أطلت رغم حتمية هذه الإطالة التي يفرضها الموضوع يدفعني أن أضع بتصرف الأستاذ هيكل -للتذكير فقط - معلومة ربما نسيها مع مرور الأيام أو أنه لا يعرف عنها لأنها ليست جزءا من مخزون وثائقه طالما أنه أشار إلى تقلبات الملك الحسين وعدم استقرار شخصيته وكمية التحولات بين موقف وموقف إلى حد وصف ذلك بالشيزوفرينيا (أي انفصام الشخصية) !! يقول الأستاذ هيكل أن الحسين كان من أوائل الذين جاءوا إلى مصر بعد الثورة عام 1954 .. وأنه - أي الحسين- كان يحب عبد الناصر وكان حين وقع العدوان الثلاثي على مصر متحمسا لدخول الحرب إلى جانب مصر .. ولكن جمال عبد الناصر رجاه إلاّ يدخل الحرب لأنه يخشى على الأردن. والسؤال : لماذا كان الحسين متحمسا لدخول الحرب سندا للشقيقة الكبرى في معركتها المصيرية رغم المخاطر الهائلة التي سيعرض بلده الأردن لها - أليس الجواب هو الالتزام القومي لهذا القائد الهاشمي وهو يرى أن بلدا عربيا يتعرض للعدوان ؟- أو ليس هذا هو ما فعله بالظبط عام ,1967. بل وأيضا في عام 1973 وهو ما لم يشر إليه إطلاقا الاستاذ هيكل ؟؟!! المعلومة ألتي أريد أن أضيفها للدلالة على صدق الانتماء - وليس انفصاما للشخصية - حدثت عشية العدوان الثلاثي . وقد كنت شاهدا شخصيا عليها. كنت في تلك الأيام طالبا في كلية الحسين بعمان ، وكانت قد افتتحت على مسافة قريبة في جبل الحسين إذاعة فرعية أطلق عليها إذاعة عمان بقوة مرسلات لا تزيد عن خمسة كيلواط في حين قوة مرسلات الإذاعات المصرية مائة وخمسين كيلواط . في ذلك اليوم ضربت مرسلات إذاعة صوت العرب التي كانت جسر الاتصال بين الرئيس عبد الناصر والجماهير العربية في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه فتوقفت عن البث . ولما كنت أشارك في تقديم برنامج الطلبة في إذاعة عمان كنت متواجدا في مبنى الإذاعة الصغير في جبل الحسين . وفجأة وإذا بنا نسمع صوت سيارات تتوقف وضجة عالية أحدثها دخول عدد من الجنود مبنى الإذاعة الصغيرة. حين خرجنا نستكشف الأمر إذ بنا وجها لوجه أمام الملك الحسين! يا الله لم أصدق نفسي وأنا ما زلت شابا صغيرا في مرحلة الدراسة الثانوية أنني أقف أمام الحسين . وخرج المرحوم سري عويضه الذي كانت إذاعة القدس الأم قد انتدبته لإدارة الإذاعة الفرعية . وبعد السلام والترحيب فإذا بالحسين يقول مخاطبا سري عويضه : لقد بلغني للتو أن إذاعة صوت العرب قد ضربت وتوقفت عن البث .. وأنا لا يمكن أن أسمح للمعتدين بأن يخرسوا صوت العرب .. لذلك واعتبارا من هذه اللحظة تصبح هذه الإذاعة هي صوت العرب إلى أن تعود الإذاعة الأصلية للبث. وهنا استقام سري كما لو كان جنديا وقال: أمرك سيدي. وذهب الحسين فألتفت إلي سري عويضه رحمه لله ولم يكن هناك غيري سوى مهندس الصوت مصطفى أبو الهوى وقال أدخل يا سمير إلى الأستوديو وكل مع عليك فعله أن تنادي باسم الإذاعة صوت العرب من القاهرة ، وسنتبع ذلك بالأناشيد والأغاني الوطنية. وسرعان ما تذكّر مصطفى أن هناك مذيعا مصريا في عمان اسمه نبيل بدر ويعمل مراسلا لصوت العرب في عمان. فلماذا لا نبحث عنه ونستعين به ؟ وأضاف حسبما أعرف أنه يقيم في فندق صغير في شارع بسمان وسط المدينة، وسرعان ما انطلقت سيارات الشرطة والجيش إلى شارع بسمان للبحث عن نبيل الذي وصل إلى مبنى الإذاعة مشدوها مصدوما لا يعرف ما الأمر. عندئذ أعلمه سري عويضه بالموضوع قائلا : سنقوم بتسجيل البيانات التي تبثها الإذاعات المصرية الأخرى التي نقوم برصدها وتتولى أنت إذاعتها حرفيا وكأنها تبث من إذاعة صوت العرب الأصلية في القاهرة ،ويتولى الأخ سمير إذاعة نداء المحطة بعد كل فقرة من البيانات أو الأناشيد .. وهكذا كان . أهذا يا أستاذ هيكل موقف قائد عربي أم شخصية مريضة بالشيزوفرينيا ؟ أسألك لأني أرجو أن تعيد النظر فيما قلت ، متسائلا عن الهدف من وراء ذلك كله ؟
وبعد كل هذا ما زلت أريد أن أضيف سؤالا ملحا للأستاذ هيكل الذي كان من الواضح أن إنتقائيته في الوثائق التي أشار إليها هي التي قذفت به هو إلى مصيدة التاريخ والسؤال هو ما دام أنك أشرت إلى القانون الأميركي الذي يسمى قانون حرية المعلومات ( Freedom of information act) والذي يسمح بالحصول على الوثيقة أو المعلومة إذا أثبت طالبها لدى محكمة قانونية أنها ضرورية للمنفعة العلمية.. وأنا أدين بمعرفتي هذا القانون لعدد من كبار الكتاب والباحثين الأميركيين العمالقة ومنهم ستيفن غرين وإل جي كارل براون وويليام كوانت الذي كان بمثابة الدينامو في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر وهو ما أهله ليكون مؤلف وثائق اتفاقيات كامب ديفيد التي أوصلت مصر إلى معاهدة السلام مع إسرائيل ، فهل هذه الوثائق تقتصر على علاقة الحسين بالولايات المتحدة الأميركية فقط ؟ لقد أسعفني الحظ بالعثور على أحداها مما لم يورده الأستاذ هيكل في أحاديثه الكثيرة خصوصا وأن ذلك يمثل مادة خصبة لما حدث في مصر قبل وبعد حرب 1973 واتصالات السادات بالأميركيين في هذا الصدد ، وكان يمكنه له أن يعد حلقتين على الأقل من حلقاته في الجزيرة للحديث عن هذه الوثائق لو لم يكن انتقائيا بشكل متعمد ولأهداف محددة . الوثيقة التي اقصد كتبها وزير الخارجية الأميركية حينئذ وليام روجرز - صاحب مبادرة روجرز الشهيرة - بعد جولة له في الشرق الأوسط ولقاء مع المرحوم الرئيس السادات عام 1971 أبدى له خلالها استعداد مصر لتوقيع معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل برعاية أميركية. وكان رد هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي في عهد الرئيسين نيكسون وفورد بعد استقالة الأول إثر فضيحة ووترغيت ألذي تلقى الرسالة : هذا الاستعداد لا يهمنا .. ما نريده من السادات أن يطرد الخبراء السوفييت من مصر .. ولقد فعل السادات ذلك تماما في العام التالي دون قيد أو شرط ألا تقول هذه الوثيقة شيئا للأستاذ هيكل ؟!! لا أريد أن أتوقف طويلا عند وثيقة السادات روجرز إلا فقط لأدلل على انتقائية الأستاذ هيكل وتعمده إلاساءة لشخص الملك الحسين وليس القيام بمراجعة تاريخية لمنفعة الأجيال الجديدة التي ولدت بعد انتهاء تلك الأيام الدراماتيكية من تاريخنا الحديث .
وعلى ذكر العلاقة مع أميركا ودون أن توقف أمام ما قاله عميل المخابرات المركزية الأميركية ( CIA) الشهير مايلز كوبلاند في كتابيه (The Game Player Aو Game of Nation) عن الأستاذ هيكل وعلاقاته ودوره، فإن إشارة الأستاذ هيكل إلى أن الملك الحسين كان يتلقى من هذه الوكالة مبلغ مليون دولا سنويا تستهدف تحقيق نتيجة غاية في الخبث أراد أن يبني عليها استنتاجاته بأن الملك كان يريد أن يعيش .. وأن يقود السيارات السريعة !! وفي هذا الصدد يستشهد بما قالته الملكة نور في كتابها بأنهم كانوا يعيشون بمستوى أعلى بكثير مما تتيحه الميزانية الملكية التي تخصصها الحكومة للملك وأسرته ! ولقد سها عن بال الأستاذ هيكل أن الحسين تزوج بالملكة نور عام 1978 في حين يقول هو - هيكل - إن الرئيس كارتر أوقف راتب CIAللحسين عام 1976 ، فكيف يستقيم إذن هذا الاستشهاد بما كتبته الملكة نور وهو بالطبع لا يكتفي بهذا الاستشهاد بل يسند هذا التشهير إلى بن برادلي رئيس تحرير الواشنطن بوست وفق ما أورده في كتابه ( A Good Life) ومن سوء الحظ أن مكتبتي ألتي تضم ألاف المراجع عدا عن عشرات آلاف الوثائق ليس من بينها هذا الكتاب .
أريد هنا أن أورد ملاحظتين: أولاهما أن الأستاذ هيكل وأنا عملنا في الصحافة سنوات طويلة / وأن كانت تجربتي أقصر ومن المؤكد أقل زخما.. ولكنه يعرف - مثلما أعرف بالتجربة - أن التوقف أمام ملاحظة مثل التي توقف أمامها صحافي التحقيقات الأشهر في الولايات المتحدة بوب وودوارد من مصادره في أل CIAبأن الملك حسين يتلقى راتبا مقداره مليون دولار سنويا منذ عام 1957 تثير شهية أي صحفي نشط للبحث والتقصي ، فلا غرابة لذلك أن يتوقف وودورد أمام معلومة قصدت جهات ما تسريبها للإساءة للحسين للأسباب التي سأشير إليها لاحقا.
والملاحظة الثانية أن إخراج أية معلومة من سياقها التاريخي سيضعها أمام سيل من التساؤلات المبنية على الفضول الصحفي ألذي نعرف عنه - الأستاذ هيكل - وأنا وكل من عمل في مهنة الصحافة الكثير الكثير. وكلا الملاحظتين بحاجة إلى شرح لأعادتهما إلى السياق الواقعي قبل عرض الدعم ألتوثيقي أو العملي. إن يتعثر صحفي من وزن بوب وودوارد بمثل هذه المعلومة المسربة أمر طبيعي .. ولكن كل كتّاب التحقيقات الصحفية يعرفون أن المعلومة تدخل في باب الشائعات أو التقولات.. أو الاستغابة .. أو اغتيال الشخصية إذا لم تدعم بوثيقة أو شهادة مؤكدة. وأنا بالطبع مدرك أنه يسند إلى الرئيس كارتر ومستشاره للأمن القومي بريجنسكي تأكيد هذه المعلومة ، ولكن الأهم من كل ذلك - من وجهة نظري - لم يكن هذا كافيا لإسنادها بالدعم المطلوب .. لأن ذلك توفره الإجابة على أسئلة أخرى : لماذا هذا المبلغ للملك الحسين .؟ وهل مبلغ مليون دولار يكفي لشراء ولاء أو خدمات ملك بحجم الحسين ومكانته التاريخية ؟ ثم ولماذا التسريب في ذلك الوقت بالذات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد ، والاهم من كل ذلك كيف يتلقى الحسين هذا المبلغ منذ عام 1957 وهو لم يقم بزيارة الولايات المتحدة إلا عام 1959 لأول مرة ؟ .. هذه الوقائع والمحطات التاريخية موجودة في عشرات الوثائق .. ويكفيني أن أشير إلى كتاب البروفسور ويليام كوانت ( Peace Process ? American diplomacy and the Arab Israeli conflect Since 7691) الفصل الثاني عشر ، صفحة 308 .
أزيد فأضيف أن هذا الموضوع وقد نشر في الصحافة الأميركية في حينه أثار في نفسي عشرات التساؤلات التي تمنيت لو استطعت الحصول على إجابات عليها. وأريد أن أضيف أيضا أن قراءة أي تعبير باللغة الانجليزية تتطلب فهما دقيقا ومتمرسا باللغة الانجليزية وبالتالي القدرة على استيعاب ما هو حقيقي فعلا وما هو من باب الإثارة الصحفية !! وهنا أود أن أذكّر أن أي أردني زار الولايات المتحدة الأميركية وسأله مواطن أميركي - من الغرب الأوسط على سبيل المثال - من أي بلد هو وأجابه من الأردن ( Jordan) فسيظن السائل أنها بلدة في ولاية أميركية أخرى ولا يعرف ما المقصود إلا عندما يضيف المجيب كلمة الملك حسين ( King Hussein) .. ساعتئذ يتأكد ألسائل أن المقصود هو الأردن الدولة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط ، ولقد سألت الحسين هذا السؤال تحديدا حين قرأته في صحيفة الهيرالد تربيون فأجابني رحمه الله بكل سعة صدر مذكرا بالسياق التاريخي الذي تحدث عنه . وكانت الإجابة من الدقة والتفصيل بحيث أن كل من قرأ تاريخ تلك الحقبة يكتشف أنها كذلك.
قال الحسين : كنا بعد تعريب قيادة الجيش عام 1956 قد اتخذنا خطوة إلغاء المعاهدة مع بريطانيا التي كانت تقدم لنا إضافة إلى التدريب والتسليح والدعم اللوجستي والعسكري معونة مالية تساهم بشكل فعال في موازنة الدولة . بعد إلغاء المعاهدة توقف الدعم المالي بطبيعة الحال فيما وعدنا من الأشقاء العرب ( مصر والسعودية وسوريا على وجه التحديد ) بالتعويض علينا ، ولكن الدعم العربي توقف بسرعة بعد أن توضحت سياساتنا تجاه الولايات المتحدة الأميركية التي أعلن رئيسها أيزنهاور حينئذ مبدأه الشهير الذي قضى بتقديم الدعم المالي والتدريبي والعسكري لكل دولة شرق أوسطية تناهض الشيوعية وتقاوم انتشار المد السوفيتي في المنطقة . كان ذلك كافيا لتعويضنا عما فقدنا من المعونة البريطانية ولاحقا المعونة العربية التي كان يفترض أن توفر البديل . وحين قمت بزيارة الولايات المتحدة عام 1959 وقعت عددا من الاتفاقات بهذا الغرض تحديدا. وكان هناك من بينها أتفاق لتوفير التدريب والتجهيز والمساعدة الفنية من قبل وكالة المخابرات المركزية CIAلدائرة المخابرات العامة الأردنية الوليدة. لقد وقعت هذه الاتفاقيات وغيرها بصفتي ملك الأردن. والسياق التاريخي هنا - وهذا استنتاجي أنا من الإجابة - أنه أصبح يشار إلى هذا الاتفاق بأنه مع الملك حسين وليس مع الأردن الذي وقع الاتفاق عنه مليكه الحسين .. وتم كل ذلك عام 1959 وليس 1956 وفق ما يورده الأستاذ هيكل.
هذه واحدة من نقاط كثيرة يفترض بالمؤرخ أو الباحث أن يدقق فيها ويضعها في سياقها التاريخي خوفا من التفسير الخاطئ الذي وقع فيه وودوارد و بن برادلي ولاحقا الأستاذ هيكل حين استندوا إلى معلومة مسرّبة لها هدف دعائي هو الإساءة للحسين لرفضه الانضمام إلى السادات وإقرار معاهدة كامب ديفيد أو تأييد ما أوردته فيما يتعلق بالحكم الذاتي في الضفة الغربية وتمثيل الفلسطينيين.
والغريب أن الأستاذ هيكل الذي يستند إلى مركز ضخم من الوثائق والدراسات ناهيك عن الباحثين المساعدين كما أسلفت يقع في خطأ هو أقرب إلى الاستنتاج الساذج منه إلى الواقعية التاريخية حين يتحدث عن لقاءات للملك الحسين بعدد من القادة الاسرائليين . فهو يقول إن الملك حسين استنادا إلى ما كتبه المؤرخ آفي شلايم قد قابل الإسرائيليين ما مجموعه ألف ساعة . وعند مراجعة كتاب أسد الأردن لهذا المؤرخ نجد أنه قدم في صفحتي 652-653 عناوين وأمكنة وتواريخ هذه الاجتماعات وعددها 55 إجتماعا فقط وفق ما يقوله آفي شلايم . ولمن يشطح به الخيال فأن معنى ذلك وفقا لحساب الأستاذ هيكل فأن معدل كل اجتماع بلغ ثماني عشرة ساعة !! فهل هذا معقول يا أستاذ هيكل والأهم من عدد الساعات هو الاسباب وما تمخض عن هذه الاجتماعات من نتائج .
ومرة أخرى لكي نضع الأمور في سياقها التاريخي أريد أن أوضح أن علاقة صداقة قديمة تربطني بالدكتور آفي شلايم منذ بداية الثمانينات حين عرفني عليه الأستاذ الدكتور بيتر كامبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة ريدنغ البريطانية والذي أشرف على أطروحتي للدكتوراه في تلك الجامعة التي كان الدكتور شلايم أستاذا فيها حينذاك، فأنتدبه مع الأستاذ الأخر في نفس الجامعة وهو المستشرق الدكتور بيتر وودوارد للتعليق والإشراف على بعض فصول الأطروحة . واستنادا إلى هذه العلاقة أهداني الدكتور شلايم في منتصف الثمانينات كتابه التواطؤ عبر نهر الأردن ( Collusion Across the Jordan) ألذي كان الأمير الحسن بن طلال قد قرأه في نفس الفترة . وحين تناقشنا فيه وكان الأمير مستاءا من بعض ما أورده شلايم في كتابه أخبرته عن علاقتي به فاقترح دعوته إلى الأردن أولا للاطلاع والدراسة، وثانيا لمناقشة استنتاجاته في الكتاب، وثالثا لتمكينه من التعرف على دور الأردن القديم والجديد - أي في حقبتي عبدا لله الأول والحسين - على المسرح السياسي الشرق أوسطي بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص .
وجاء آفي إلى الأردن فعلا . وفي تلك الزيارة أطلعني على تفكيره بوضع كتاب عن الملك الحسين يفيه حقه ويقدم صورة تاريخية دقيقة لدوره ومساهماته في التاريخ العربي الحديث خصوصا حقبة حرب 1967 . كان طبيعيا أن يستشيرني في الموضوع أولا بحكم عملي في معية الحسين وثانيا في ضوء ما توصلت إليه من معلومات ووثائق تتعلق بتلك الفترة مما وضع الأساس لكتابي الأردن في حرب 1967 الذي أصدرته دار جامعة كامبردج . ولقد جاء إلى الأردن بعد ذلك عدة مرات قابل خلالها العديد من الشخصيات التي عملت مع الحسين أو كانت قريبة منه في مختلف مواقع المسؤولية قدمته أنا للبعض منهم وزودته ببعض الوثائق التي استعان بها في أبحاثه .
ولأن آفي شلايم قد أطلعني على نيته الولوج إلى لقاءات الحسين بعدد من القادة الإسرائيليين في مراحل مختلفة طالبا إسماعه وجهة نظري بحكم حساسية الموضوع من ناحية وأهميته التاريخية من ناحية أخرى فقد شجعته فورا على أساس أن هذه اللقاءات تحسب للحسين وليس عليه . فهي الدلالة الواضحة على شجاعته وثقته بنفسه وقيادته لوطنه ووقوف الوطن والمواطنين خلفه لثقتهم فيه وفي نواياه ومساعيه، والاهم من كل ذلك في صلابته التي شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء.. ( طالع الفصل 13 في كتاب آفي شلايم أسد الأردن الصفحات(278 -310 ). وأن أية مراجعة لمضمون أي من تلك اللقاءات ستضعنا وجها لوجه أمام الحقيقة التي يدّعي الأستاذ هيكل أنه يسعى لتقديمها للمشاهد لحلقاته التلفزيونية ، وهي أنه كان يسعى لتجنيب وطنه المصائب التي حصلت له بسبب عنتريات الثورين العرب بداية، ثم محاولة تحرير ما تم احتلاله من أراضي مملكته في فلسطين التاريخية ( الضفة الغربية ) نتيجة الخطايا التي أوقعنا فيها القادة المصريون الذين كانوا يتبجحون بقدرتهم على هزيمة إسرائيل قبل أيام فقط من بداية الحرب . والدليل على ذلك مشروع إيغال ألون ( الخارطة ) الذي عرض فيه الإسرائيليون إعادة الضفة الغربية بدون القدس وبدون غور الأردن وتعديلات طفيفة على الحدود في بعض المواقع مثل مناطق قلقيلية وطولكرم وجنين، ولكن الحسين ردّ بأنه لن يقبل إلا عودة الضفة الغربية كاملة بما فيها القدس قبل التوصل إلى معاهدة سلام . وفي الفصل الثالث عشر الذي أشرت اليه آنفا يذكر شلايم أن تلك الفترة كانت فترة المفاوضات بعد صدور قرار مجلس الأمن 242 وبعد انتداب الأمين العام للأمم المتحدة الدبلوماسي السويدي غونار يارنغ لمساعدة الأطراف على الوصول إلى آليات تنفيذ بنود القرار . ويورد المؤلف في هذا الفصل تفاصيل العروض التي قدمت للملك حسين بداية من مشروع ألون إلى عرض إعادة 98% من أراضي الضفة الغربية ولكن بدون القدس. فتجلت صلابة الحسين حين كرر رفض قبول أي عرض لا يعيد الضفة الغربية كاملة غير منقوصة ولو سنتمترا واحدا وفي مقدمتها القدس قبل توقيع معاهدة سلام بين الأردن وإسرائيل ( آفي شلايم صفحة 73 ).
وللتذكير فقط فأن آفي شلايم ليس مؤرخ الملك حسين الخاص على الرغم من كتابه القيم الذي أعطاه عنوانا يستحقه الحسين وهو أسد الأردن . فقد صدرت عدة كتب تناولت حياة الحسين وسياساته وقراراته وإنجازاته منذ تولى العرش حتى اليوم . وأشير إلى كتاب Uneasy lies the headلمؤلفه بيتر سنو ، و Hussein of Jordanلجيمس لانت ، و King Hussein of Jordan- political lifeلنايجل آشتون .
هنا أتصور أن كل ما سبق يضعنا أمام وقفة تحليلة موضوعية لقلق الراحل الحسين عام 1966 وهو يرى ويسمع مزايدات بعض من أطلقوا على أنفسهم الثوريون العرب الذين كانوا يتصورون أنه لا بد من إشعال حرب تحرير شعبية ضد إسرائيل لأن هذه هي الوسيلة الكفيلة بهزيمتها واسترداد الحقوق المغتصبة في فلسطين. والطريف أن الأستاذ هيكل يورد في كتابه الانفجار 1967 ( صفحات 364-367 ) عرضا ساخرا لتصورات القادة السوريين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الدكتور يوسف زعّين ووزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس . وأورد مناقشة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لهم في هذه التصورات التي دفعتهم بداية إلى محاولة تثوير الموقف على خطوط الهدنة مع إسرائيل .. الخ ، وتوريط الرئيس الراحل بتوقيع معاهدة دفاع مشترك معهم رغم إدراكه لعقم تنظيراتهم التي يضيف هيكل ( صحفه 441 ) أن تجربة الضباط من القيادة السورية بزعامة صلاح جديد لم تكن تزيد عن لعبة التصفيات الجارية في ذلك الوقت .. فيما لا تزيد تجربة الأطباء ويقصد نور الدين الاتاسي ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس عن التطوع في صفوف جبهة التحرير الجزائرية ... ولا تبعد ثقافتهم كثيرا عن قراءات جيش التحير الجزائري ومعظمها في تلك الأيام ترجمات مما كتبه ماو تسي تونغ عن الحرب الشعبية !! ثم يضيف ألأستاذ هيكل أن جمال عبد الناصر ( أيضا صفحة 441 ) عندما إلتقاهم في أواخر عام 1966 من واقع التحدي الذي يواجه سوريا ، الخ ( الفصل الثالث من الباب الرابع من كتاب هيكل الصفحات 363-267 ) وهذه هي نفس الفترة التي وقعت فيها ضربة السموع والتي رأى فيها القادة الأردنيون أنها محاولة إسرائيلية لدفع الاردن للرد وبالتالي استخدام ذلك كعذر لاحتلال الضفة الغربية وهي أيضا الفترة التي يشير فيها الأستاذ هيكل إلى ارتفاع منسوب القلق لدى الحسين ودعوته المرحوم الفريق عبد المنعم رياض لإبلاغه الرسالة التي أشار إليها في حلقته التلفزيونية الأولى وطلب إبلاغها إلى الرئيس عبد الناصر شخصيا . ومع أن اللقاء مع الفريق رياض تم في عمان يوم الأول من أيار 1967 فأن الرسالة لم تصل إلى عبد الناصر إلا يوم الرابع عشر منه بعد أن كان قد تم إغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية وسحب قوات الطوارئ الدولية من شرم الشيخ ودخول القوات المصرية إلى سيناء لتخويف إسرائيل وفق ما ظن المشير عبد الحكيم عامر .
كانت سوريا حسب ما يورد هيكل في كتابه (الانفجار 1967 صفحة 440) قد تحولت إلى تفاحة ناضجة توشك أن تقع في يد إسرائيل... والحقيقة كما يضيف الاستاذ هيكل أن إسرائيل كانت تستفز وفي نفس الوقت فأن النظام في سوريا كان متلهفا على أن يقبل الاستفزاز.... ألم يكن كل ذلك كافيا لإقلاق الملك الحسين في تلك الأيام العصيبة خصوصا وأن الأستاذ هيكل يورد أن الملك حسين كانت تراوده شكوك في دوافع الرئيس الأميركي جونسون إزاء الأردن ( صفحات 668-669 ) !! ما لم يورد الأستاذ هيكل تفاصيله هي العثرات التي وضعها نظام الأطباء الثلاثة أمام محاولات رأب الصدع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نتائج الحرب خصوصا احتلال الضفة الغربية والقدس إلى درجة دفعت الرئيس عبد الناصر أن يخول الملك الحسين التفاوض مع الأميركيين حتى باسم مصر ، ويورد كل من المرحوم محمود رياض وزير خارجية مصر ( صفحات 54-55 ) من كتابه الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط وعبد المجيد فريد مدير مكتب الرئيس عبد الناصر في حينه ( أنظر مذكراته / حلقات صحيفة الرأي الأردنية 9/4/83و11/4/83 ) بالحرف الواحد المقتطفات التالية من خطاب عبد الناصر في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم : هذه هي الأسباب التي تجبرنا على التحرك بسرعة وبذل أقصى الجهود لاستعادة القدس والضفة الغربية بالوسائل المتاحة لنا في الوقت الحاضر.. لأننا لو تأخرنا فلن تعود القدس ولا الضفة الغربية.. هل يمكن في الوقت الحاضر استعادة الأرض المحتلة بالوسائل العسكرية ؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال واضحة وهي أن الطريق ليس مفتوحا أمامنا في الوقت الحالي.. إذا ليس أمامنا سوى طريق واحد نستطيع من خلاله أن نستعيد القدس والضفة الغربية، إنه العمل السياسي.. أنا أعتقد أنه يجب على الملك حسين أن يتصل بالأميركيين ويتفق معهم على استرجاع الضفة الغربية ... وأنا مستعد لأن أعلن هذا على الملأ .. لأن أميركا وحدها هي التي تستطيع أن تأمر إسرائيل برفع يدها عن الضفة الغربية . وفي هذا الصدد تملي علينا أمانة الرجوع إلى حقائق التاريخ التي ينتقي منها الأستاذ هيكل ما يخدم هدفه في حلقاته التلفزيونية أن نستشهد بمقتطفين آخرين نثق تماما أنه هو الذي كتبهما نيابة عن الرئيس الراحل عبد الناصر. أولهما البرقية التي أرسلها عبد الناصر للحسين مساء اليوم الثاني من أيام الحرب ( 6 حزيران 1967 ) وفيها : عندما يكتب التاريخ سوف يذكر لك جرأتك وشجاعتك .. وسوف يذكر للشعب الأردني الباسل أنه خاض هذه المعركة فور أن فرضت عليه دون تردد، ودون أي اعتبار إلا اعتبار الواجب والشرف... وكيف لنا - ثانيا - أن ننسى كلمات عبد الناصر -التي من المؤكد أن هيكل هو الذي صاغها - قبل أسبوع فقط من قمة الخرطوم : ولكن هناك مسألة واحدة أريدك أن تعرفها في هذه اللحظات العصيبة .. وأريدك أن تضعها في اعتبارك دائما تلك هي أن الجمهورية العربية المتحدة على استعداد لأن تربط أقدارها ربطا كاملا ونهائيا بقضية شعب الأردن البطل تحت قيادتك الوطنية ألتي أثبتت إخلاصها لشعبها في أكثر الظروف صعوبة وخطرا ... هل كان عبد الناصر رومانسيا حالما حين أملى على الأستاذ هيكل هذه الكلمات أم أنها جاءت من إدراكه ويقينه بأن التجربة على الأرض هي التي تظهر معادن القادة الحقيقيين وليس أولئك الذين هزتهم النتائج الأولية في الحرب فطاشوا وتسببوا في هزيمة نكراء للأمة العربية ستظل بقعة سوداء في تاريخها الحديث .. فضلا عن التسبب في مقتل عشرات الآلاف من جنودهم التائهين في الصحراء لأن انهيارهم السريع أدى إلى فقدانهم توازنهم وبالتالي اختراع الأكاذيب التي كشفت معادن رجال تولوا مسؤوليات لم يكونوا في مستواها أو يستحقونها ( الانفجار صفحة 820) . وما دام الأستاذ هيكل يسرد التاريخ بمزاجية لا يجوز أن تدخل كعنصر توضيح في كتابة التاريخ.. أو انتقائية تدمر الحقائق التي تستند إليها عملية توثيق التاريخ ، فأنه يصبح لزاما على المؤرخ الذي يلتزم الموضوعية أن يصحح السند التاريخي بما لا يترك مجالا للشك أو الفهم الخاطئ . وعليه فأني أريد تذكير الأستاذ هيكل بما تضمنته الوثائق التي عرضها على الشاشة ولكنه تجنب ذكرها !! .. فاتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها الحسين مع الرئيس عبد الناصر يوم الثلاثين من أيار 1967 ، كانت نسخة طبق الأصل عن اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعت مع سوريا قبل بضة شهور أي في الرابع من تشرين الثاني 1966 . وقد ذكر الأستاذ هيكل هذه الحقيقة مشيرا أن الحسين طلب نسخة يستبدل فيها أسم سوريا بالأردن فقط . وهكذا كان وفورا وضع الحسين قواته المسلحة تحت أمرة قائد مصري هو الفريق عبد المنعم رياض ليقودها من مركز متقدم في عمان يتولى العمليات في الجبهة الشرقية لكي تقاتل تحد أمرة القائد العربي ضمن جبهة عربية مشتركة .
ولكن ما لم يذكره الأستاذ هيكل هو بقية ما تضمنه محضر الاجتماع الذي أغفله عمدا وتضمنته وثائق أوامر العمليات في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية وأكده لي الحسين والفريق عامر خماش. وهو ينص على أنه في ضوء حجم وإمكانات القوات المسلحة الأردنية وما يستند أساسا إلى خطط القيادة العربية الموحدة في دراستها المرفوعة لمؤتمر القمة العربية في الأسكندرية عام 1965 فأن دورالقوات الأردنية في حال نشوب المعركة يجب أن يقتصر على الدفاع النشط من خلال معركة محدودة لإشغال وحدات من الجيش الإسرائيلي ستدفع بعكس ذلك إلى الجبهتين السورية والمصرية . وكانت هذه المعركة المحدودة ستتسع فقط بعد توفر ثلاثة أمور أساسية : أولها وصول القوات العراقية والقوات العربية الأخرى إلى الجبهة الأردنية وتمركزها في الأماكن التي تمس الحاجة لها فيها .. وثانيا ورود معلومات مؤكدة بأن التطورات على الجبهة المصرية إيجابية .. وبأن المعركة تسير كما هو مرسوم لها.. وثالث هذه الأمور ? وربما أهمها ? توفر الغطاء الجوي للقوات المسلحة الأردنية في الميدان . وكان يفترض في سلاح الجو المصري أن يوفر هذا الغطاء ، وذلك لتمكين سلاح الجو الأردني الصغير ( ست عشرة طائرة من طراز هوكر هنتر ) يساندها سربان من سلاح الجو العراقي يتوجدان في قاعدة H3قرب الحدود العراقية .. أي بمسافة ثمانمائة كيلو متر عن القواعد الإسرائيلية .. من القيام بغارات على المطارات العسكرية الإسرائيلية قرب الساحل لتعطيلها فيما طائرات سلاح الجو الإسرائيلي في الجو تقوم بغاراتها على المطارات العربية !! ولقد قامت الطائرات الأردنية بواجبها المرسوم فشنت ثلاث غارات على المطارات الإسرائيلية التي كانت خالية بعد نجاح المقاتلات الإسرائيلية في تدمير سلاح الجو المصري لتتفرغ بعدها لتدمير الأسراب الأردنية والعراقية ناهيك عن سلاح الجو السوري . وللتذكير يا أستاذ هيكل فأن الأردنيين لا زالوا حتى اليوم يتذكرون نسورهم الذين استشهدوا خلال المعركة ومنهم الطيار الشهيد فراس العجلوني . أما سرب طائرات الترايستار الذي سخر الأستاذ هيكل من أن رئيس الأركان الأردني طلب من الأميركيين استعادته قبل المعركة بأيام وإرساله إلى قبرص.. كيف .. وعبر أي أجواء ما يبدو أنه لم يعني الاستاذ هيكل أن يفسره .
ما لم يذكره الاستاذ هيكل ويعرفه القاصي والداني ممن عاشوا تلك الأيام العصيبة أن ذلك النوع من الطائرات كانت تتساقط كالفراش المحترق في طلعاتها التدريبية في ألمانيا الغربية حينذاك .. وكان الطيارون الأردنيون الذين سيقاتلون بها ما زالوا في مرحلة التدريب عليها في الولايات المتحدة والمانيا. وكانت تقاريرهم عنها في غاية السلبية ( مقابلة مع الطيار إحسان شردم ) . أضف إلى ذلك أن تلك الطائرات كان قد أتفق على شرائها بموجب برنامج التطوير العسكري الذي وضعته القيادة العربية الموحدة المنبثقة عن مؤتمر القمة العربية ، ولكن لم يدفع ثمنها لتأخر المعونة المالية التي كانت قد رصدت لهذا الهدف من الوصول. لذلك وفي ضوء توقع أن تبدأ المعركة بهجمات إسرائيلية على أسلحة الجو ( أنظر صفحة 94 من كتابي الأردن في حرب 1967 ) فكيف يخاطر الأردن بتدمير طائرات لم يدفع ثمنها يا أستاذ هيكل وقد كانت سربا من ست طائرات وليس 25 كما ذكرت ؟!! كان يفترض شراء هذا العدد متى دفعت المخصصات المالية ولكن لم يصل منها إلى الأردن إلا الطائرات الست التي ذكرت.
لم يكن هدفي من هذه الورقة الرد على النقاط التي أوردها الأستاذ محمد حسنين هيكل في حلقاته التلفزيونية نقطة نقطة. فالذين تابعوها انتبهوا بطبيعة الحال إلى إسترسالاته وتشعباته التي يتصور أنها تخدم هدفه النهائي . ولكني قدمت ما عندي من المنظور التاريخي وفق ما أملته عليّ أمانة المعرفة والاطلاع والوثائق التي أملك . وحيث أنه تعرض للمغفور له الملك عبدالله الاول بن الحسين ودوره في حرب عام 1948 ، وحيث أن عددا من الوثائق المتوفرة لديّ والتي حصلت عليها من مركز الوثائق البريطاني في لندن ، فأني أريد أن أذكر الأستاذ هيكل بالوثائق ذات الأرقام: ( 68643/371 وحتى 68864/371 والأرقام 75272/371 وحتى 75316 ) وهي متوفرة أيضا في مركز التوثيق الأردني وحصل عليها وفق ما أذكر عدد من المؤرخين الأردنيين الإعلام أمثال المرحوم الأستاذ سليمان الموسى والدكتور عدنان البخيت أمده الله بالصحة وطول العمر والدكتور بكر خازر المجالي وآخرين لم أعد أتذكر أسماءهم ممن إلتقيتهم في لندن حين كنت مقيما هناك وأعلمتهم بوجودها .
السبب في هذا التعداد للأرقام هو أن بعضها يتحدث عن دخول الجيش العربي القوات المسلحة الأردنية ولم يكن عدد أفراده يزيد عن أربعة آلاف وخمسمائة جندي إلى فلسطين حرص الضباط الانجليز ألا يتزودوا سوى بذخيرة تكفي ليوم واحد فقط. ومع ذلك فأن أوامر الملك المؤسس عبدا لله ألأول بن الحسين رحمه الله أنه يجب المحافظة على القدس حتى آخر طلقة ومهما كان الثمن . ولقد حافظ هذا الجيش الصغير بتعداده كما أسلفت ، وبذخيرته المحدودة التي تكفيه فيما لو تواصلت معاركه ليوم واحد فقط وتحت إمرة ضباطه الانجليز الموجهين من مراكز القرار في بلدهم الاستعماري .. حافظ على القدس والضفة الغربية في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تتقهقر وتتكبد الهزيمة بالأسلحة الفاسدة التي زودت بها إلى أن انتهت بالحصار في منطقة الفالوجة وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أحد ضباط الوحدة المصرية المحاصرة . ولكن القدس بقيت عربية .. والضفة الغربية بقيت عربية إلى أن فقدناها في معارك 1967 بسبب الأكاذيب والخطايا والأوامر الفاشلة التي أوقعتنا فيها القيادة المصرية.
ولا بد لي من تذكير الاستاذ هيكل بما فعله الحسين حين تسلم سلطاته الدستورية وأكتشف القيود التي فرضتها القيادة الانجليزية على الأردن العروبي أنه قام بعد ثلاث سنوات فقط من توليه الحكم بتعريب قيادة الجيش العربي وطرد قادته الانجليز مما حال لاحقا - لو شئنا - التحليل التاريخي المستند إلى النتائج التي وقعت لاحقا - من استخدام الأردن كمنصة خلفية للعدوان الثلاثي بقيادة إنجليزية وإسرائيل متربصة !! ولقد قال لي الحسين رحمه الله في الأشرطة التي أشرت إليها : كانت الأنماط الدفاعية التي فرضوها على قواتنا المسلحة قيودا على حريتنا في الدفاع عن بلدنا فيما كان يقلقنا ويقض مضاجعنا منذ تولينا المسؤولية فكان لابد من وضع حد لذلك وإعادة بناء قواتنا المسلحة لتكون عربية التوجه والبناء .. .
كان هذا هو الحسين الذي يرى الأستاذ هيكل أن إرثه الهاشمي وضعه في مصيدة التاريخ وأدى به إلى حالات من إنفصام الشخصية أو الشيزوفرينيا !! يا لله .. الذي يدرك حقيقة النوايا الأميركية التي تريد أن تسقط الرئيس عبد الناصر وتطلق العنان لجموح إسرائيل To unleash Israel( الانفجار صفحة 430) لتحتل الضفة الغربية والقدس ويرى ويسمع كل يوم المراهقة الثورية التي تتحكم بتصرفات الأطباء السوريين الذين يريدون شن حرب تحرير شعبية يحررون بها فلسطين ويزيلون دولة إسرائيل من الوجود ( الانفجار صفحات 364-367 ) وقبلهم يقف رئيس الدولة أمين الحافظ ليتهم القادة العرب بالجبن في مؤتمر القمة العربي الأول عام 1964 - وكنت من الصحافيين الذين غطوا أحداثه - لأنهم لا يريدون محاربة إسرائيل التي يستطيع هو ( وأنا أنقل حرفيا من محاضر القمة ) لو وضعت قوات الدول المحيطة بإسرائيل تحت أمرته لأزال إسرائيل من الوجود خلال ست ساعات !!! هذا في الوقت الذي كان فيه الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي عمل في سوريا تحت أسم كامل أمين ثابت وكاد يصل إلى رئاسة الدولة صديقا شخصيا للحافظ ( الانفجار 284-288) وظل حال الهيجان والمراهقة الثورية التي أقلقت الحسين حد الهلع وهو يرى رؤية العين أن إسرائيل تستفزهم وهم يتقبلون هذا الاستفزاز ( الانفجار صفحة 440 ) لجر عبد الناصر إلى معركة لم يكن - باعترافه - مستعدا لها أو قادرا عليها ( خطاب عبد الناصر 23/2/1963 ، ولم يتغير هذا الوضع في سوريا مع الأسف رغم الهزيمة إلى أن آلت الأمور للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الذي - وقد كان قائدا استراتيجيا حتى النخاع - قاد الحركة التصحيحية وأعاد لسوريا اعتبارها وآمن وتحمل طويلا من أجل تأمين التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل وهو ما كانت القيادة العربية الموحدة التي أنشأتها القمة قد أوصت به قبل القيام بالتصدي العسكري لإسرائيل .
أما الإرث الهاشمي الذي مكن الملك عبدا لله الأول من المحافظة على القدس عربية عام 1948 فيمكننا أن نرى أثره العملي إذا تذكرنا خطة طارق . للعلم فقط فقد وضع الضباط العرب وبالاتفاق مع ملكهم عبدا لله الأول خطة أسموها خطة طارق للتغلب على مشاكل الدفاع التي ذكرت بعضها آنفا وتمثلت في جزء منها بذخيرة اليوم الواحد لضباط وجنود الكتائب الأردنية التي دخلت فلسطين في شهر أيار 1948. كانت هذه الخطة تقضي بمحاصرة ما أسمي بجيب القدس أي المنطقة التي تقع داخل تجويف جغرافي على شكل دائرة يقع أقصاها الشمالي في منطقة اللطرون وأقصاها الجنوبي في قرية حوسان في قضاء الخليل وأقصاها الشرقي المدينة المقدسة نفسها وبالتالي حالوا دون وصول أية إمدادات أو قوافل إلى اليهود المحاصرين داخل جيب القدس وتكسرت كل المحاولات التي قامت بها قوات الهاغانا لاختراق الحصار . وأظن أن معارك باب الواد الذي هو ممر المركبات من السهل الساحلي إلى القدس ما تزال حية في الضمير الفلسطيني والأردني حتى يومنا هذا وستظل. نتيجة لهذا الحصار الخانق الذي أفشل كل المحاولات الصهيونية لأحتل الجبال الفلسطينية المشرفة على مناطق الساحل هددت بريطانيا الملك عبدا لله الأول الذي أجاز خطة طارق بأنها ستوقف المعونة التي تدفعها للأردن وستقوم بسحب الضباط الانجليز من الجيش العربي إذا لم يرفع الحصار ( وهذا ما ورد في الوثائق التي أشرت إليها بالأرقام سابقا ) ولكن الحصار لم يرفع إلا بعد تحقيق ثلاثة شروط : أولا ? وقف القتال وعدم تقدم القوات الإسرائيلية إنشا واحدا عن مواقعها الحالية ( باستثناء السماح بحامية صغيرة لا تزيد عن 80 عنصرا في منطقة جبل سكوبس لحماية الجامعة العبرية ومنشآت يهودية أخرى في شرق المدينة .
ثانيا ? عدم اعتراض دخول القوات الأردنية إلى شمال الضفة الغربية ( مناطق جنين وطولكرم وقلقيليه ) التي كانت القوات العراقية قد حالت دون احتلالها من قبل الإسرائيليين ،ووضعها تحت السيطرة العسكرية الأردنية .
ثالثا : تزويد الكتائب الأردنية بذخائر كافية لتمكينها من المحافظة على مواقعها في الضفة الغربية والقدس.
وهنا أسأل الأستاذ هيكل: ألم يكن هذا الإرث الهاشمي هو السبب في المحافظة على الضفة الغربية والقدس ؟ ومن هو المصاب بالشيزوفرينيا ؟ أهو الذي كان يهدد ويتصور أنه قادر على هزيمة إسرائيل في ست ساعات أم ذلك الذي أقضت مضاجعه مخاوف ضياع ما ظل عربيا من فلسطين في تلك الأيام العصيبة من عام 1967 ؟؟؟ وبودي أن أضيف لعلم الأستاذ هيكل المقالة التي كان عبد الله الأول قد نشرها في مجلة أميركا الشهرية عدد نوفمبر تشرين ثاني 1947 وفيها يخاطب الرأي العام الأميركي محذرا من إخطار الهجرة اليهودية على فلسطين . وفي المقالة يقول للأميركيين إن اليهود قد عاشوا في سلام وأمن في المجتمعات العربية والإسلامية مثلهم مثل المسلمين والمسحيين ولم يتعرضوا في يوم لأية أذية أو اضطهاد .. وأن الاضطهاد والعذاب الذي لحق بهم كان على يد أوروبا المسيحية، فلماذا علينا نحن العرب أن ندفع ثمن هذا الظلم في فلسطين العربية ؟... وذكرهم أن نسبة سكان فلسطين من اليهود قد تضاعفت من 11% من نسبة السكان إلى أكثر من الثلث خلال بضع سنوات فقط ما يعني - وفق مقالة الملك عبد الله الأول ? زيادة تعادل 45 مليون إنسان يضافون إلى سكان الولايات المتحدة بالنسبة لعدد سكانها حينئذ !! فهل كانت هذه رؤية زعيم يسعى بكل الطرق للحفاظ على عروبة فلسطين لأن أرثه الهاشمي كان يملي عليه المحاولة بكل الوسائل المتاحة بما فيها المقالات أم أنها كانت محاولات لا طائل من وراءها ؟ وأريد أن أختم بالإشارة إلى مقولة الأستاذ هيكل أن الملك عبد الله الأول كان يغار من أخيه فيصل الذي نصب ملكا على سوريا ثم على العراق في حين انه هو عبد الله الأول وفق ما يقوله هيكل هو الذي صنع الثورة العربية وهو الذي ربط مابين والده والثوار العرب في سوريا .. الخ ولم يمكّن سوى من إمارة صغيرة في شرق الأردن .
هنا يخرج الأستاذ هيكل مرة أخرى ? ويا لكثرة المرات ?عن السياق التاريخي تماما . فإذا عدنا إلى قراءة التاريخ نجد أن الملك عبد الله الأول قد خرج من الحجاز إلى شرق الأردن في طريقه إلى دمشق لمقاتلة الفرنسيين الذين هزموا جيش الثورة العربية في سوريا في معركة ميسلون ، وعزلوا أخيه فيصل عن عرشها . فقام الشريف حسين بتكليفه الأمير عبد الله بقيادة الفيلق الذي بقي في الحجاز من جيش الثورة العربية الكبرى بالزحف نحو سوريا لمقاتلة الفرنسيين ودحرهم واسترداد عرش فيصل ، الذي كان يفترض أن يكون اللبنة الأولى في الدولة العربية التي قاتل الهاشميون إلى جانب الحلفاء مقابل إقامتها في البلاد السورية ( سوريا ? كما هي ألان - ولبنان وفلسطين وشرق الأردن ) ولكن الحلفاء خانوا عهودهم وابرموا أتفاق سايكس بيكو الذي قسموا به البلاد السورية إضافة إلى العراق إلى مناطق نفوذ يحكمونها وفق ما حدده ذلك الاتفاق .
هذه العجالة التاريخية لا تهدف إلى التذكير بتاريخ يعرفه القاصي والداني خصوصا أبناء هذه البلاد.. ولكن مع ذلك لابد أن أضيف توضيحا للمواقف التاريخية التي لا ينهض بها إلا القادة العظام من وزن عبد الله الأول. وهنا لا يجب أن يغيب عن بال المؤرخ أن النظرة والتحليل يجب أن يكونا من الشمول بحيث لا تخضع مجرد كلمة للأهواء والرؤية العاجزة.. لذلك أضيف أن الأمير عبد الله وقد أدرك أن بريطانيا العظمى التي كانت تسيطر على المناطق المسماة شرق الأردن وتقاسمت النفوذ مع حليفتها فرنسا في البلاد السورية ضمن أتفاق سايكس بيكو وهي نفسها التي أعطت لليهود وعدا بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين فأنها بالتالي لن تسمح له بالتقدم نحو دمشق لمقاتلة قوات فرنسا حليفتها .. ومن المؤكد أن الأمير عبد الله استخلص في حينه أن مثل هذا القتال سينتهي بهزيمة ساحقة أمام جيوش دولة عظمى تملك القوة والسلاح الذي لا يملك الفيلق الذي يقوده جزءا صغيرا منه . هذا في الوقت الذي كانت الحركة الصهيونية تعتبر أن مناطق شرق الأردن هي جزء من وعد بلفور لأنهم كانوا يعتبرون أن فلسطين أرض الميعاد هي غرب وشرق نهر الأردن . وأظن أن الأستاذ هيكل قد طالع ذلك من عدد من المراجع الإسرائيلية أشير منها إلى كتاب بنيامين نتنياهو ( ما غيره ) مكان تحت الشمس كما نشر بالعربية (صفحة 82) من الأصل الانجليزي A place among nations A. وحين أدركت بريطانيا تصميم الأمير عبد الله على خوض غمار المستحيل أقنعته ? بما أن شرق الأردن في نظر العرب هو جزء من البلاد السورية بأن يتوقف في شرق الأردن ويقيم فيها إمارة بزعامته كمرحلة مؤقتة إلى أن تتغير الظروف ويصبح بإمكانه استرداد العرش الهاشمي في دمشق . وببعد نظر الأمير واستشرافه ما لا يراه كثيرون ، وإدراكه أولا أن الوصول إلى دمشق مستحيل في الظروف الراهنة وثانيا أن الحركة الصهيونية تعتبر شرق الأردن جزءا من الوطن القومي الذي وعدهم به بلفور باسم بريطانيا العظمى ،وجد أن ما يعرضونه يحقق هدفين : الأول إقامة إمارة عربية في شرق الأردن تكون منصة لتحرير البلاد العربية السورية في المستقبل متى توفرت الظروف المناسبة ، والثاني انتزاع شرق الأردن من براثن الصهيونية التي تراه جزءا لا يتجزأ من وعد بلفور ( مرة أخرى أنظر صفحة 82 من كتاب نتنياهو ) أي أنه يستطع أذا جاز لي استعمال التعبير الشعبي - يصطاد عصفورين بحجر واحد . والسؤال يا أستاذ هيكل هل هذه الاعتبارات عقد هاشمية أم أنها رؤيا رجل دولة من طراز فريد.
هذه الورقة ليست سوى محاولة لإعادة نظر شمولية في حقائق التاريخ ومدلولاتها ومرتكزاتها التي ليس بوسع المؤرخ أن يغفلها حين يتصدى لتقديم رؤيته الشخصية .
فهل فعل الأستاذ محمد حسنين هيكل ذلك ؟ أترك الحكم للقارئ الكريم وللأجيال والتاريخ . والله من وراء القصد. ............................. تنشر بالتزامن بين الراي و عمون
.
.
الخميس, 02 ابريل, 2009
ملاحظة قبل أن تقرأ : الموضوع طويل جدا وشيق ولكن تحتاج لايمان راسخ ان تبحث عن الحق والحقيقة كي تكمله واتمنى ان تكون التعليقات منصفة بعيدة عن الاسفاف بحق أي كان .
هيكل ومصيدة التاريخ التي نصبها لنفسه .. بقلم: د. سمير مطاوع
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.













من الأردن
=======================
لمن لبس البيريه يوماً واحداً
لايستطيع أن يقبل تحليلات هيكل
ولا يستسيغها
فلم تكن وجهة نظر
ولا سم في الدسم
ولكن كل السم في كل الدسم
ولذلك رددت عليه
كما كتب
وتالياً رابط ردي وهو موضوع منفصل
في مدونتي بعنوان = وطن =
http://jordan1call.jeeran.com/STILLinLOVE/archive/2009/3/833000.html
بعنوان
إلى صحفي يدعى هيكـــل ( صحفي مصري )
أرجو أن أكون بينت فيه هيكل بصوررته الحقيقية
==========================
jordan1call